طهران تستغل اضطراب هرمز لإعادة تطوير قدراتها النووية

بعد حربين متتاليتين وضربات عسكرية واسعة طالت بنيتها التحتية النووية، لا تزال المسألة النووية الإيرانية مطروحة بقوة على الطاولة، وسط تقديرات بأن طهران قد ترى في قدرتها على تعطيل الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز عامل ردع يسمح لها بإعادة بناء برنامجها النووي بهدوء.
تشير تقديرات للمحلل محمد آية اللهي تبار لـ”مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي” إلى أن النقاشات الداخلية في إيران تعكس اتجاهاً متزايداً نحو تشدد الموقف من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث قد لا تسمح طهران لمفتشي الوكالة بالوصول إلى منشآتها النووية بالدرجة نفسها التي كانت متاحة بموجب الاتفاق النووي السابق.
وبحسب التقييم ذاته، تبدو القيادة الإيرانية أكثر ميلاً للحذر من المسار الدبلوماسي مقارنة بخيار المواجهة، إذ تُظهر استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، في مقابل تحفظ واضح على إجراء محادثات ثنائية مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين.
ويرى هذا الاتجاه أن إيران قد تحقق مكاسب أكبر عبر سياسة التصعيد والمواجهة، مقارنة بما قد تخسره عبر التنازلات الدبلوماسية.
وفي سياق متصل، يشير آية اللهي تبار إلى أن الضربات التي استهدفت جزءاً كبيراً من البنية التحتية الإيرانية لتخصيب اليورانيوم خلال ما يُعرف بـ”حرب الأيام الاثني عشر”، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتزايدة والتهديدات باستمرار العمليات العسكرية، قد تعرقل أي محاولة لإعادة بناء البرنامج النووي على المدى القريب.
ومع ذلك، لا يستبعد التقييم أن تستنتج طهران من التطورات الأخيرة أن قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي، خصوصاً عبر أدوات الضغط غير المباشر، قد وفّرت لها نوعاً من الردع الاستراتيجي الذي يسمح لها بالمضي في إعادة بناء بعض قدراتها النووية بشكل سري.
ورغم هذه الاحتمالات، يرجّح التحليل أنه من غير المتوقع في الوقت الراهن أن تعيد إيران إنشاء منشآت تخصيب يورانيوم واسعة النطاق أو ذات طابع صناعي في المدى القريب، في ظل حجم الدمار والقيود المفروضة عليها داخلياً وخارجياً.
إرث المواجهات العسكرية
في الوقت ذاته، تشير تحليلات جين داربي مينتون إلى أن الجهود الدبلوماسية والإجراءات القسرية على مدى عقود لم تنجح في معالجة المخاوف الأمريكية من البرنامج النووي الإيراني بشكل جذري.
وأضاف أن مفاوضات إدارة باراك أوباما أفضت إلى اتفاق العمل الشامل المشترك، الذي فرض قيوداً قابلة للتحقق على البرنامج مقابل تخفيف العقوبات، إلا أن الاتفاق انهار لاحقاً بعد انسحاب إدارة ترامب الأولى عام 2018 رغم التزام إيران به آنذاك.
وخلال السنوات التالية، وضمن سياسة “الضغط الأقصى”، عززت إيران قدراتها وخبراتها النووية وراكمت كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب.
ومع عودة إدارة ترامب، تصاعد التوتر وصولاً إلى حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، والتي شملت ضربات أمريكية دقيقة استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية.
ويشير محمد آية اللهي طبار إلى أن الحرب اندلعت بينما كانت مفاوضات غير مباشرة تُجرى عبر وسطاء عُمانيين، لكن طهران استنتجت أنها مستهدفة عسكرياً بغض النظر عن أي اتفاق نووي، ما دفعها للاعتقاد بأن المواجهة المباشرة أفضل من تقديم تنازلات تتعلق بالتخصيب.
مضيق هرمز كأداة ردع
تُظهر التحليلات أن إيران باتت تعتمد بشكل متزايد على قدرتها في التأثير على الملاحة في مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية.
ويشير هذا النهج إلى أن طهران قد تعتبر تعطيل الاقتصاد العالمي وسيلة لفرض توازن ردع يسمح لها بإعادة بناء برنامجها النووي دون ضغوط فورية كبيرة.
ويرى آية اللهي طبار أن الحرب عززت داخل إيران القناعة بأهمية تجنب التنازلات النووية غير القابلة للعكس، كما أن النقاش الداخلي حول خيار التسلح النووي أصبح أكثر حضوراً منذ حرب الأيام الاثني عشر.
ومع ذلك، فإن الأولويات الحالية لا تتركز على تطوير سلاح نووي، بل على إعادة بناء القدرات التقليدية، خصوصاً الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب الحفاظ على السيطرة على مضيق هرمز.
مستقبل الملف النووي
من الناحية العملية، أدت حرب الأيام الاثني عشر إلى تعطيل جزء كبير من البنية التحتية المعروفة لتخصيب اليورانيوم في إيران، لكن جين داربي مينتون تشير إلى أن هذا التعطيل لا يُعد حاسماً على المدى البعيد، نظراً لامتلاك إيران القدرة على إعادة بناء منشآتها في مواقع أصغر وأكثر سرية، مع استمرار وجود مخزونات من اليورانيوم المخصب.
كما أن تقييد وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية زاد من صعوبة الرقابة، ما جعل التحقق الدولي أكثر تعقيداً.
وفي الوقت نفسه، فإن الضربات العسكرية خلال فترات تفاوضية أضعفت الثقة في المسار الدبلوماسي، وجعلت من الصعب الاعتماد على أدوات تقليدية لمنع التصعيد.
ويضيف آية اللهي طبار أن الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية قد تعيق أي تعافٍ سريع للبرنامج النووي، لكنها قد تدفع إيران في المقابل إلى إعادة تطويره بشكل سري.
كما أن الفجوة بين إيران والولايات المتحدة حول ملف التخصيب لا تزال واسعة، مع تمسك واشنطن بوقف كامل للتخصيب، مقابل رفض إيراني لهذا الشرط.
في ظل غياب الثقة المتبادلة وتراجع فعالية الرقابة الدولية، تشير المعطيات إلى أن الملف النووي الإيراني يتجه نحو إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
ويعني ذلك الاعتماد على ترتيبات مؤقتة تحد من التصعيد دون معالجة جذور الخلاف، وهو ما يبقي احتمال عودة التوتر العسكري والسياسي قائماً، في وقت لا تزال فيه طهران وواشنطن بعيدتين عن أي تسوية شاملة ومستقرة.




